البناء العصبي الوراثي للشخصيةنفسية

الأهداف بين التوحيد المعياري والفهم البنيوي

قراءة مقارنة بين الممارسات النفسية المعاصرة ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية

تحتل مسألة “الأهداف” موقعًا مركزيًا في علم النفس المعاصر، سواء في مجالات العلاج النفسي أو الإرشاد أو التنمية الذاتية. وقد ترسخت فكرة أن النجاح في الحياة يبدأ بتحديد أهداف واضحة قابلة للقياس ومحددة بزمن ثم العمل المنظم لتحقيقها. هذا التصور أصبح شبه بديهي، حتى أن أي حديث عن التطور أو التغيير يكاد لا ينفصل عن الدعوة إلى وضع خطة والالتزام بها والسير بخطوات ثابتة نحو تحقيق الهدف.

لكن عند النظر إلى الواقع الإنساني تظهر فجوة واضحة بين هذا النموذج النظري وبين التطبيق العملي. فهناك من ينجح بسهولة في الالتزام بخطط طويلة المدى، وهناك من يبدأ بحماس ثم يتوقف، وهناك من لا يستطيع أصلًا صياغة هدف واضح رغم امتلاكه طاقة وقدرات كبيرة. هذه الفروق لا يمكن تفسيرها فقط بالإرادة أو التحفيز، بل تشير إلى اختلاف أعمق في طريقة عمل العقل نفسه.

ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين الممارسات النفسية الحالية ومنهج البناء العصبي الوراثي للشخصية. فبينما يقوم النموذج التقليدي على تعميم طريقة واحدة لوضع الأهداف، ينطلق المنهج البنيوي من فكرة أن الأهداف نفسها يجب أن تُبنى وفقًا للتركيبة العصبية للشخصية لا أن تُفرض عليها.

في الممارسات النفسية المعاصرة، يتم التعامل مع الأهداف من خلال نموذج شبه موحد يقوم على الوضوح والتحديد والتقسيم إلى خطوات والالتزام الزمني. ويُفترض أن تحقيق الهدف يعتمد على قوة الإرادة والانضباط والاستمرارية. وإذا فشل الشخص في الوصول إلى هدفه، يُفسَّر ذلك غالبًا على أنه ضعف في الالتزام أو نقص في التحفيز أو تشتت في الانتباه.

لكن هذا التفسير يتجاهل حقيقة أساسية وهي أن القدرة على التخطيط والتنفيذ ليست متساوية بين جميع الأشخاص. فبعض الشخصيات تمتلك بطبيعتها ميلًا إلى التنظيم والتخطيط بعيد المدى، بينما تفتقد شخصيات أخرى هذه المهارة بشكل فطري. وعندما يُطلب من الجميع العمل بنفس الطريقة، يحدث خلل واضح لأن الشخص يُجبر على نمط لا يتوافق مع بنيته العصبية.

في منهج البناء العصبي الوراثي للشخصية، لا يُنظر إلى الأهداف كصيغة جاهزة، بل كعملية تصميم يجب أن تنطلق من فهم نوع الشخصية. فكل شخصية تمتلك طريقة مختلفة في التفكير وفي التحفيز وفي التعامل مع الزمن وفي تحمل الضغط. وهذه العوامل مجتمعة تحدد شكل الهدف المناسب لها وطريقة الوصول إليه.

من أبرز الأمثلة على ذلك الشخصيات غير النرجسية (القيادية)، والتي تفتقد بطبيعتها إلى مهارات الدراسة والتخطيط الاستراتيجي. في النموذج التقليدي، يُطلب من هذه الشخصيات أن تضع أهدافًا طويلة المدى، وأن تلتزم بخطة واضحة، وأن تتابع تنفيذها بدقة. لكن هذا الطلب يتجاهل طبيعتها، ويضعها في حالة من الصراع الداخلي، لأنها تحاول العمل بطريقة لا تنتمي إلى بنيتها العصبية.

في المنهج البنيوي، لا يتم التعامل مع هذا النقص كفشل بل كحقيقة يجب أخذها في الاعتبار. وبالتالي يتم إما دعم هذه الشخصيات بآليات تعويضية، أو العمل على تنمية هذه المهارات تدريجيًا دون فرضها كأساس منذ البداية. بهذا الشكل يصبح الهدف قابلًا للتحقيق لأنه بُني على فهم حقيقي لطبيعة الشخص.

أما الشخصية الحدية (المبدعة)، فهي تمثل نموذجًا أكثر وضوحًا لفشل النموذج التقليدي. فهذه الشخصية تمتلك نشاطًا ذهنيًا عاليًا، وسرعة في التفكير، وميلًا قويًا إلى التغيير والتنوع. ولذلك فإن وضع هدف تقليدي طويل المدى بخطوات ثابتة يؤدي غالبًا إلى فقدان الحماس أو التشتت أو التوقف.

في منهج البناء العصبي الوراثي، يتم إعادة صياغة الهدف لهذه الشخصية بشكل مختلف تمامًا. فالهدف يجب أن يكون كبيرًا ومشبعًا، لأن الأهداف الصغيرة لا تحفز هذه الشخصية. كما يجب أن يكون الطريق إلى الهدف متغيرًا، وليس خطيًا حتى لا تشعر بالملل. ويجب إدخال مراحل مستمرة لقياس التقدم، حتى تحصل على شعور متكرر بالإنجاز. كما يجب تضمين أوقات ترفيه كجزء أساسي من الخطة، لأن هذه الشخصية لا تستطيع العمل تحت ضغط مستمر لفترات طويلة.

بهذا الشكل، لا يتم إجبار الشخصية على الالتزام بنموذج جامد، بل يتم تصميم الهدف بما يتناسب مع طبيعتها، وهو ما يزيد من فرص الاستمرار والنجاح.

ومن النقاط الجوهرية التي يطرحها هذا المنهج أيضًا أن ليس على جميع الناس يجب أن يسعوا لنفس نوع الأهداف. فهناك من تكون أهدافه مادية بسيطة أو تقليدية أو مرتبطة بالاستقرار وهذا لا يعني ضعف الطموح، بل يعكس توافق الهدف مع طبيعة الشخصية. وفي المقابل هناك شخصيات طموحة بطبيعتها تسعى إلى التميز أو إلى إحداث تغيير جذري في مجالها. وهناك فئة ثالثة تمثل الشخصية المبدعة التي لا تشعر بالإشباع إلا عندما تُحدث ما يشبه الثورة في تخصصها.

محاولة وضع جميع هذه الشخصيات تحت نموذج هدف واحد تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يشعر البعض بالإحباط ويشعر البعض الآخر بالضغط، بينما يفقد آخرون الاتجاه تمامًا. ولهذا فإن الفهم البنيوي لا يكتفي بتحديد الأهداف، بل يحدد نوع الهدف الذي يناسب كل شخصية.

وعند الفشل في تحقيق الأهداف يظهر الفرق بين المنهجين بوضوح. ففي الممارسات التقليدية، يُفسَّر الفشل على أنه ضعف في الإرادة أو الالتزام، ويتم دفع الشخص إلى المحاولة بشكل أقوى. أما في منهج البناء العصبي الوراثي، فيُنظر إلى الفشل كإشارة إلى عدم توافق الهدف أو طريقة الوصول إليه مع طبيعة الشخصية وبالتالي لا يكون الحل في زيادة الضغط، بل في إعادة صياغة الهدف أو تعديل المسار.

كما يؤكد هذا المنهج على أن كل شخصية تمتلك نقاط قوة، لكنها في الوقت نفسه تفتقد بعض المهارات. ولهذا لا يتم تجاهل هذه الفجوات، بل يتم العمل على تطويرها تدريجيًا. فالشخص الذي يفتقد مهارة التخطيط يمكن تدريبه عليها، لكن بطريقة تناسب طبيعته، وليس عبر فرض نمط جامد عليه منذ البداية.

في النهاية يكشف هذا الطرح عن تحول عميق في فهم مسألة الأهداف. فبدل أن تكون الأهداف معيارًا يُقاس به الإنسان، تصبح أداة تُصمَّم له. وبدل أن يكون النجاح هو الوصول إلى نموذج عام، يصبح النجاح هو الوصول إلى ما يتوافق مع طبيعة الشخصية ويُشبعها.

وهنا لا يكون الطريق مجرد وسيلة للوصول، بل يصبح جزءًا من التوازن النفسي نفسه. لأن الهدف حين يُصاغ بشكل صحيح، لا يرهق صاحبه، بل يدفعه. ولا يضغطه، بل يفتح له المجال. ولا يفرض عليه مسارًا، بل يكشف له طريقه الحقيقي.

اظهر المزيد

داليا رشوان

هذا الموقع هو عالمي الخاص الذي أردت أن أنشر من خلاله مشاهداتي والنتائج التي توصلت لها من خلال بحثي المستقل كما أضفت للموقع بعض الأقسام العلمية التي أقصد بها زيادة الوعي والتثقيف العلمي في عالمنا العربي. دراستي الرئيسية طبية وهي الكيمياء الحيوية ومنها تعلمت ما يتعلق بالنفس البشرية بأسلوب علمي تطبيقي وليس فلسفي، مما جعلني أخرج بأساليب عملية تجمع بين العلم والشرع لتيسير الحياة على الناس وإيجاد وسائل السعادة والرضا لهم. للمزيد عني يمكن زيارة هذه الصفحة: عن الكاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى